الشيخ محمد الخضري بك

250

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

والحكماء قديما تتمادح بقلّتهما ، وتذمّ بكثرتهما ، لأنّ كثرة الأكل والشرب دليل على النّهم « 1 » والحرص ، والشّره ، وغلبة الشهوة ، مسبّب لمضار الدنيا والآخرة ، جالب لأدواء الجسد ، وخثارة النفس « 2 » ، وامتلاء الدماغ . وقلته دليل على القناعة ، وملك النفس ، وقمع الشهوة ، مسبّب للصحة ، وصفاء الخاطر ، وحدّة الذّهن ، كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة « 3 » والضعف ، وعدم الذكاء ، والفطنة ، مسبّب للكسل ، وعادة العجز ، وتضييع العمر في غير نفع ، وقساوة القلب ، وغفلته ، وموته . وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ من الأكل والنوم بالأقل ، وحضّ عليه قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما ملأ ابن ادم وعاء شرا من بطنه ! حسب ابن ادم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة . فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » « 4 » . ولأنّ كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : لم يمتلئ جوف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شبعا قطّ . وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه ، إن أطعموه أكل ، وما أطعموه قبل ، وما سقوه شرب « 5 » . وفي صحيح الحديث : « أما أنا فلا اكل متكئا » « 6 » والإتّكاء : هو التّمكن للأكل ، والتقعدد في الجلوس له كالمتربّع ، وشبهه من تمكّن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته ، والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه . والنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا « 7 » . ويقول : « إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد » « 8 » وكذلك نومه كان قليلا ومع ذلك فقد قال : « إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي » « 9 » . وأما ما الفضل في كثرته فكالجاه وهو محمود عند العقلاء عادة ، وبقدر جاهه

--> ( 1 ) اشتد حرصه على الطعام والنهم أفراط الشهوة ( 2 ) ثقلها وعدم نشاطها . ( 3 ) كل مسترذل رديء وكسل النفس . ( 4 ) رواه الترمذي ابن ماجة والنسائي . وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان وقال الترمذي هذا حديث صحيح . ( 5 ) أنظر جامع الأوصول والحديث الآتي . ( 6 ) رواه البخاري والترمذي واللفظ له . ( 7 ) رواه مسلم . المستوفر : المستعجل غير المتمكن في جلوسه . والإقعاء : أن يجلس على أليتيه وينصب إحدى ساقيه . ( 8 ) رواه البزار عن ابن عمر بسند ضعيف وأبو يعلى وحسن اسناده الهيثمي في مجمع الزوائد . ( 9 ) رواه الشيخان .